حسن الأمين

294

مستدركات أعيان الشيعة

وملفت للنظر ان يكون رجل هذه صفاته يبلغ الدرجة القصوى من الفخر . جده صعصعة أحيا الوئيدات وأبوه غالب معدن الجود يقصد الناس ناره من أقاصي البلاد . حتى إذا مات كان قبره ملاذ العفاة وملجا الخائفين وأخواله بناة المجد وقبيلته خير القبائل فآباؤه لا يقاربهم آباء الخليفة من عبد شمس : وان تغضب قريش ثم تغضب فان الأرض ترعاها تميم اما هو فخلاصة المفاخر كرما وعلو همة وشاعرية . وعلى الرغم من كون الفرزدق قد اتصل بالحضر إلا أنه ظل شديد التعصب لبدويته كثير الفخر بماثر آبائه في الإسلام وفي الشرك كذلك . يمدح كبار القوم بمفاخر آبائهم في الجاهلية ويظهر على كثير من جفاء البدو وخشونة طبعهم وقساوتهم . ويتقيد في كل شيء بمظاهر البداوة فيدعو إلى الأخذ بالثار ويفتخر بالضيافة . وقد ظهر أثر البداوة واضحا في معظم نتاجه الشعري . وفاته رزق الفرزدق عمرا طويلا تجاوز التسعين في قوله وهو وبلغ السادسة والتسعين في قول ابن حبيب شارح الديوان وقارب المائة في قول ابن سلام . والمشهور ان الفرزدق قد توفي في سنة 110 ه‍ - [ 828 ] 728 م وهذا هو التاريخ الذي يذكره بروكلمان . ولكن الدكتور يوسف هل يرى أن وفاته يجب أن تكون في سنة 114 هذلك لأنه رثى الجراح بن عبد الله الحكمي الذي استشهد بمرج أردبيل في المشرق سنة 112 هكما ذكر الطبري . ثم إن الأغاني نفسه يتردد في وفاة الفرزدق بين السنوات 110 ، 112 ، 114 وكذلك ابن خلكان يتردد بين السنوات 110 ، 111 ، 112 ، 114 وعلى هذا قبل الدكتور هل التاريخ المتأخر : 114 للهجرة - 732 م . ويرى البستاني انه ليس من مبرر للحيرة عند من يطالع ديوان الفرزدق فيرى فيه قصيدة قالها الشاعر في مدح خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم والي المدينة . ومعروف ان خالدا المذكور ولي المدينة مدة ثلاث سنوات من السنة 114 إلى السنة 117 وإذا فلا يمكن أن تكون وفاة الفرزدق تقدمت السنة 114 ( 3 آذار 732 - 20 شباط 733 ) وهي السنة التي توفي فيها جرير كذلك . صلته بالحكام يقول ابن سلام : قيل لابن هبيرة من سيد أهل العراق ؟ قال : الفرزدق : هجاني ملكا ومدحني سوقة . من هنا علينا ان لا نفاجا كثيرا بمواقف هذا الشاعر الجريئة والمتقلبة من حكام عصره . لكن القضية الأولى التي تستحق وقفة مميزة هي حقيقة تشيع الفرزدق لذهاب الباحثين فيها - وخاصة المعاصرين منهم مذاهب شتى - إلى حد أن بعضهم جعله « عثمانيا » يقول هذا الباحث : التشيع مذهب أول أركانه اعتقاد امامة علي وأبنائه فهي حق لهم موروث لا يشركهم فيه سواهم . ولم يكن الفرزدق من هذا في شيء وكل ما نعرفه عنه يوحي بخلاف ذلك ، فأكثر قومه من مجاشع عثمانية ، وكثرة تميم عثمانية والبصرة التي عاش فيها الفرزدق عثمانية وأشعاره التي قالها تنطق كلها بفضل عثمان خليل النبي وتتمدح برفيع مكانته وتندد بالبغاة الذين قتلوه وتتشفى بهم ان قتلوا بكل ثنية ومدينة وتدافع عن حق بني أمية في الخلافة لأنهم ورثة عثمان الذي نال الخلافة عن مشورة ورضا وتنال ممن نازعهم هذا الحق فتشتد في النيل منه وتثني على ما قام به مروان وبنو أمية من إطفاء الفتن بصفين ومرج راهط ثم تشيد بهم وتعلي مكانتهم وتفضلهم تفضيل الشيعة لأئمتهم وتجعلهم خيرة الله لعباده وأفضل الناس بعد رسول الله وأمناء الله في أرضه . بل أكاد أقول : ان الفرزدق بالغ في رفع أقدار الأمويين مبالغة لا أجدها لشاعر أموي آخر وأفرط في الثناء عليهم وكان وهو يمدحهم يكاد يضفي عليهم صفات الذين اختارهم الله لتبليغ رسالاته . لن أناقش الدكتور شاكر الفحام في « عثمانيته » أو في « أمويته » فله الحق أن يكون « يزيديا » إذا شاء ولا في الآراء التي أوردها باستثناء قضية ولاء الفرزدق لآل البيت ع . فالمصادر القديمة تجمع على تشيع الفرزدق وموالاته لآل الرسول : كان الفرزدق سيدا جوادا وجيها عند الخلفاء والأمراء هاشمي الرأي في أيام بني أمية يمدح أحياءهم ويؤبن موتاهم ويهجو بني أمية وامراءهم هجا معاوية بن أبي سفيان وزياد بن أبيه وهشام بن عبد الملك والحجاج بن يوسف وخالد القسري وغيرهم ( معجم الشعراء 487 ) . وربما كانت إفادة الدكتور عمر فروخ من الترجمة التي كتبها أستاذه المستشرق الألماني جوزيف هل لحياة الفرزدق سببا من أسباب جعل موقفه أكثر موضوعية إزاء هذه القضية من هنا اختلافه في الرأي مع الدكتور الفحام . فقد ذكر ان الفرزدق نشا على حب آل البيت وعلى الاعتقاد بحقهم في الخلافة دون سواهم فإنه لم يكن يعلن تشيعه حرصا على أن يتكسب بشعره عند من يهب الجوائز والأموال من سوى آل البيت أيضا . على أن شعوره هذا كان باديا في كثير من سلوكه وأشعاره ( شعراء البلاد ) . كما أن الثابت ان الفرزدق لم يتصل بأحد من الخلفاء قبل الإمام علي في الحادثة التي سبقت الإشارة إليها . بروكلمان بدوره الذي يلاحظ ضعف دينه واستخفافه بالمقدسات يستثني من ذلك ما احتفظ به الشاعر من الوفاء لعلي وأهل بيته في أحوال غير موائمه . ( تاريخ الأدب العربي ) . ولعل أفضل رد على الفحام ما يوضحه البستاني حول هذه القضية إذ يذكر فيه موقف الفرزدق من العلويين فيستدل من حياته وشعره انه كان على إخلاص فاق إخلاصه لغيرهم من أرباب الأحزاب وان يكن لم يجرؤ دائما على إظهار عاطفته . هذا إذا جاز لنا ان نتكلم عن الإخلاص بالنسبة إلى الفرزدق . كان قومه من ذوي الميل العلوي في الخلاف الناشب بين علي وعائشة أولا ثم بين علي ومعاوية . حتى إذا قدم علي الكوفة وفد عليه غالب ومعه ابنه وهو يافع إذ ذاك . على أن أخوال الفرزدق من بني ضبة كانوا من حزب عائشة فحاربوا جيش علي يوم الجمل . وهو ما استفاد منه الفرزدق في تزلفه إلى الأمويين . يقول ذلك زلفى وتقربا ولا سيما بعد ان تحقق قومه قوة الأمويين وشعروا بصولة عمالهم في العراق فأرسلوا إليهم الوفود مبايعين . فمدحهم الفرزدق وبالغ وأغرق . ولا يخفى ان إغراقه هذا وايجاسه الدائم من ولاة أمية لمن الأدلة على اضطراب ميله وارتجاج موقفه . اما إذا ابتعد عن مركزة الولاة فاطمان إلى أن يد الأمويين لا تطاله وعرضت فرصة فإنه لا يتردد في إظهار عاطفته لآل البيت من ذلك ما ذكر صاحب الأغاني وابن خلكان ومن نقل عنهما ان الفرزدق كان في مكة عندما حج هشام بن عبد الملك وهو ولي عهد فاضطره الزحام إلى الانتظار ووصل زين العابدين حفيد علي فتنحى له الناس حتى طاف واستلم . فسال أحد رجالات الشام من هذا ؟ فأجاب الفرزدق ذلك الجواب الرائع :